ابن قيم الجوزية
317
الروح
اللّه فتريهم النفس السحّارة هذا القدر غاية تنقيصهم وهضمهم وتزول أقدارهم وعدم تمييزهم عن المساكين والفقراء فتغفر نفوسهم من تجريد التوحيد أشد النفار ويقولون أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ « 1 » وتريهم تجريد المتابعة للرسول وما جاء به وتقديمه على آراء الرجال في صورة تنقيص العلماء والرغبة عن أقوالهم وما فهموه عن اللّه ورسوله وإن هذا إساءة أدب عليهم وتقدم بين أيديهم وهو مفض إلى إساءة الظن بهم وأنهم قد فاتهم الصواب وكيف لنا قوة أن نرد عليهم ونفور ونحظى بالصواب دونهم فتنفر من ذلك أشد النفار وتجعل كلامهم هو المحكم الواجب الاتباع وكلام الرسول هو المتشابه الذي يعرض على أقوالهم فما وافقها قبلناه وما خالفها رددناه أو أولناه أو فرضناه وتقسم النفس السحّارة باللّه أن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أولئك الذين يعلم اللّه ما في قلوبهم . فصل وتريه صورة الإخلاص في صورة ينفر منها وهي الخروج عن حكم العقل المعيشي والمداراة والمداهنة التي بها اندراج حال صاحبها ومشيه بين الناس فمتى أخلص أعماله ولم يعمل لأحد شيئا تجنبهم وتجنبوه وأبغضهم وأبغضوه ، وعاداهم ، وعادوه وسار على جادة فينفر من ذلك أشد النفار وغايته أن يخلص في القدر اليسير من أعماله التي لا تتعلق بهم وسائر أعماله لغير اللّه . فصل وتريه صورة الصدق مع اللّه وجهاد من خرج عن دينه وأمره في قالت الانتصاب لعداوة الخلق وأذاهم وحربهم وأنه يعرض نفسه من البلاء لما لا يطيق وأنه يصير غرضا لسهام الطاعنين . وأمثال ذلك من الشبه التي تقيمها النفس السحّارة والخيالات التي تخيلها ، ويريه حقيقة الجهاد في صورة تقتل فيها النفس وتنكح المرأة ويصير الأولاد يتامى ويقسم المال ، وتريه حقيقة الزكاة والصدقة في صورة مفارقة المال ونقصه وخلو اليد منه واحتياجه إلى الناس ومساواته للفقير وعوده بمنزلته ، وتريه حقيقة إثبات صفات الكمال للّه في صورة التشبيه والتمثيل فيفر من التصديق بها وينفر غيره ، ونريه حقيقة التعطيل والإلحاد فيها في صورة التنزيه والتعظيم .
--> ( 1 ) سورة ص ، الآية 5 .